– هدير الجبوري
منذ سنوات، لم تعد الصورة مجرد عنصر يرافق اي منشور على مواقع التواصل الاجتماعي، بل أصبحت في كثير من الأحيان بوابة العبور إليه. حتى إننا أصبحنا نتساءل: هل ما زال للكلمة وحدها القدرة على جذب القارئ، أم أن الصورة استولت على المشهد كله؟ ولماذا صار الجميع تقريباً يرفق صورة مع كل منشور، حتى عندما تكون الفكرة قادرة على أن تُقال بالكلمات وحدها؟
لقد غيّرت المنصات الرقمية طريقة تلقي الناس للمحتوى ،، ففي زمن السرعة والتدفق الهائل للمعلومات، أصبحت العين تسبق العقل، والصورة تلفت الانتباه في ثوانٍ معدودة، بينما يحتاج النص إلى وقت ورغبة في القراءة والتأمل. لذلك بات كثير من المستخدمين يختارون الصورة بعناية لا تقل عن عنايتهم بصياغة النص، لأنهم يدركون أن المنشور المصحوب بصورة يحظى غالباً بانتشار وتفاعل أكبر. لكن السؤال الأهم: لو نشرنا الفكرة نفسها من دون صورة، هل ستحصل على العدد ذاته من الإعجابات والتعليقات والمشاركات؟ في الغالب لا. وليس السبب دائماً ضعف الفكرة، بل لأن طبيعة المتلقي اليوم، إلى جانب خوارزميات المنصات، تمنح الأفضلية لما يجذب البصر أولًا ويوقف حركة التصفح السريعة. وهكذا أصبحت الصورة مفتاح الوصول إلى القارئ، بينما صار النص ينتظر من يمنحه بضع دقائق من الانتباه. والمفارقة أن الصورة، في أحيان كثيرة، لم تعد وسيلة لخدمة الفكرة، بل أصبحت هي محور الاهتمام،، فكثير من القراء يكتفون بالنظر إليها، ثم يكتبون تعليقاً عنها دون أن يقرأوا المنشور كاملاً.
وكم من كاتب بذل جهداً في صياغة فكرة عميقة، فإذا بالتعليقات تنصرف إلى الحديث عن ملامحه، أو مكان التقاط الصورة، أوأناقة ملابسه، بينما يظل مضمون النص غائباً عن النقاش،، وكأن الصورة أصبحت بطلة المنشور، وتراجعت الكلمة إلى الصف الثاني. وتتجلى هذه الظاهرة بصورة أوضح عندما تكون الصورة لامرأة؛ إذ غالباً ما تحصد تفاعلًا وانتشاراً أكبر من صورة الرجل، بغض النظر عن طبيعة الموضوع أو قيمته الفكرية. وهذه حقيقة يلاحظها معظم مستخدمي مواقع التواصل، حتى وإن اختلفوا في تفسيرها،، فبعض التفاعل يكون بدافع الإعجاب بالصورة، وبعضه بدافع الفضول، وبعضه الآخر نتيجة لطبيعة المنصات التي تروّج للمحتوى القادر على إثارة استجابة سريعة. وفي جميع الأحوال، فإن هذا الواقع يطرح سؤالًا مهماً هل ينجذب الجمهور إلى الفكرة نفسها، أم إلى ما يحيط بها من عناصر بصرية؟
لا أحد ينكر أن الصورة لغة عالمية، وأنها تمتلك قدرة هائلة على إثارة المشاعر واختصار الكثير من المعاني. فقد تنقل مشهدا أو إحساساً تعجز عنه صفحات طويلة من الشرح. لكنها مهما بلغت قوتها لا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن الكلمة.
فالصورة قد تستوقف القارئ لثوانٍ، أما الفكرة الجيدة فهي التي تبقى في ذهنه، وتدفعه إلى التفكير وإعادة النظر في قناعاته. إن هيمنة الصورة على فضاء التواصل ليست مجرد تطور تقني، بل هي تحول ثقافي يمس علاقتنا بالقراءة والمعرفة والتأمل، فقد أصبحنا نعيش زمناً تُقرأ فيه الصور بسرعة، بينما تُترك الكلمات أحياناً وحيدة في انتظار قارئ صبور. وهذا التحول يضع أمام الكتّاب والإعلاميين تحديًا حقيقياً: كيف نحافظ على مكانة الكلمة في عصر أصبح فيه البصر أسرع من التأمل، والانطباع أسرع من الفهم؟
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل وصلنا إلى مرحلة نقرأ فيها الصور أكثر مما نقرأ الأفكار؟ وهل أصبحت قيمة المنشور تُقاس بما يرافقه من صورة لا بما يحمله من معنى؟ ربما لن تنتصر الصورة على الكلمة انتصاراً كاملًا، فالكلمات التي تُكتب بصدق ووعي قادرة دائماً على البقاء في الذاكرة، حتى بعد أن تُطوى الصور ويخفت بريقها. ولعل التحدي الحقيقي اليوم ليس في أن نختار بين الصورة والكلمة، بل في أن نعيد التوازن بينهما، بحيث تخدم الصورة الفكرة، وتظل الكلمة هي القلب الذي يمنحها المعنى والحياة.

