لماذا يُربط قبول العرب بالاتفاقية الإبراهيمية بالاتفاق مع إيران ووقف الحرب؟

4

 

في السياسة الدولية لا تُدار الملفات الكبرى بمعزل عن بعضها، بل تُربط ضمن “سلة تفاهمات” تُعيد رسم التوازنات الإقليمية دفعة واحدة. ومن هنا يمكن فهم سبب الربط المتصاعد بين ثلاثة مسارات تبدو ظاهريًا منفصلة: الاتفاق النووي أو التفاهم مع إيران، وقف الحرب في غزة، وتوسيع الاتفاقيات الإبراهيمية لتشمل دولًا عربية جديدة وعلى رأسها المملكة العربية السعودية.

هذا الربط ليس صدفة دبلوماسية، بل يعكس إدراكا أمريكيا وإسرائيليا بأن المنطقة وصلت إلى مرحلة لم يعد فيها التطبيع وحده كافيا، ولا الحرب وحدها قادرة على فرض معادلات جديدة، ولا الاتفاق مع إيران ممكنا دون معالجة البيئة الإقليمية المتفجرة التي صنعتها طهران خلال العقدين الماضيين.

الولايات المتحدة تدرك أن أي اتفاق جديد مع إيران دون تهدئة إقليمية سيكون أشبه بضخ أموال وأكسجين سياسي لنظام ما زال يدير شبكة نفوذ عسكرية تمتد من العراق إلى لبنان واليمن وغزة. لذلك تحاول واشنطن بناء “صفقة كبرى” تشمل تهدئة الجبهات، واحتواء المشروع الإيراني، وإعادة هندسة العلاقات العربية الإسرائيلية ضمن إطار أوسع يضمن استقرار المصالح الأمريكية في المنطقة.

أما إسرائيل، فهي تعلم أن الاتفاقيات الإبراهيمية فقدت جزءًا كبيزا من زخمها بعد حرب غزة. فالمشهد الدموي، وحجم الدمار، والاحتقان الشعبي العربي، جعل من الصعب على أي دولة عربية أن تمضي نحو التطبيع المجاني دون ثمن سياسي واضح يتعلق بالقضية الفلسطينية. ولهذا بدأت تتبلور معادلة جديدة: لا تطبيع واسع دون أفق سياسي للفلسطينيين، ولا تهدئة مستدامة دون كبح أدوات إيران في المنطقة.

المملكة العربية السعودية كانت الأكثر وضوحًا في هذا السياق. إذ لم تعد المسألة بالنسبة للرياض مجرد علاقة مع إسرائيل أو ترتيبات أمنية مع واشنطن، بل مشروع إعادة صياغة للمنطقة بأكملها. ومن هنا جاء الإصرار السعودي على أن أي خطوة تاريخية يجب أن تقترن باعتراف حقيقي بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم، وليس مجرد وعود فضفاضة أو ترتيبات إنسانية مؤقتة.

في المقابل، تحاول إيران استثمار الحرب لتثبيت نفسها باعتبارها “قائدة محور المقاومة” ، لكنها في الوقت نفسه تخشى أن يتحول أي اتفاق عربي ـ إسرائيلي واسع إلى جدار استراتيجي يعزل مشروعها الإقليمي ويحد من قدرتها على المناورة. ولذلك نرى هذا التداخل المعقد بين التصعيد العسكري، والمفاوضات النووية، ورسائل التهدئة، والضغوط المتبادلة.

الحقيقة الأعمق أن المنطقة لم تعد تتحمل استمرار الصراع المفتوح بلا نهاية. فدول الخليج تريد الاستقرار من أجل مشاريعها الاقتصادية العملاقة، وإسرائيل تبحث عن شرعية إقليمية طويلة الأمد، وأمريكا تريد تخفيف أعباء الشرق الأوسط للتفرغ لصراعها مع الصين وروسيا، بينما تحاول إيران انتزاع اعتراف دولي بنفوذها قبل أي تغيير محتمل في موازين القوى.

لكن المشكلة الأساسية تكمن في أن كل طرف يريد الصفقة بشروطه الخاصة. العرب يريدون وقف الحرب وضمان الدولة الفلسطينية. إسرائيل تريد الأمن والتطبيع دون تنازلات جوهرية. إيران تريد الحفاظ على نفوذها وأذرعها. أما واشنطن فتحاول جمع المتناقضات داخل “تسوية مؤقتة” قد تؤجل الانفجار لكنها لا تنهي جذوره.

ولهذا فإن الربط بين الاتفاق الإبراهيمي والاتفاق مع إيران ووقف الحرب ليس مجرد تفصيل سياسي، بل اعتراف ضمني بأن الشرق الأوسط دخل مرحلة إعادة تشكيل شاملة، وأن أي ملف لم يعد قادرًا على الحياة منفردا.

فالمنطقة اليوم لا تقف أمام اتفاق عابر، بل أمام محاولة لإعادة كتابة خرائط النفوذ والتحالفات والشرعيات السياسية لعقود قادمة. والسؤال الحقيقي ليس: هل سينجح هذا الربط؟

بل: من سيدفع ثمنه…. ومن سيخرج منه لاعبا أكبر مما كان؟

التعليقات معطلة.